ابن الفارض
22
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
« العالم إنسان كبير » ، وأمّا قولهم : « الإنسان عالم صغير » ، أرادوا به نوع البشر ، وهو خليفة اللّه في الأرض ، والإنسان الكبير خليفة اللّه في السماء والأرض ، والإنسان الصغير نسخة منتخبة ، ونخبة منتسخة من الإنسان الكبير بمثابة الولد من الوالد ، فله أيضا حقيقة باطنة وصورة ظاهرة . أمّا حقيقته الباطنة ، فالروح الجزئي المنفوخ فيه الروح الأعظم « 1 » والعقل الجزئي والنفس والطبيعة الجزئيتان . وأمّا صورته الظاهرة ، فنسخة منتسخة من صورة العالم فيها من كل جزء من أجزاء العالم لطيفها أو كثيفها قسط ونصيب ، فسبحانه من صانع جمع الكل في أحد أجزائه ، وقول القائل : ( وما على اللّه بمتنكر أن يجمع العالم في واحد [ 19 / ق ] صادق في حق الكل ، وإن أراد به شخصا معيّنا ) . وصورة كل شخص إنساني نتيجة صورة آدم وحواء - عليهما السلام - ومعناه نتيجة الروح الأعظم والنفس الكلية ، والإنسان الكبير هو مظهر حق السبن ، والإنسان الصغير قد يصل إليه بفناء تعيّناته ومحو تقيّداته ، فيصح له حينئذ أن يقول بلسان الجمع حاكيا عن الإنسان الكبير يستعجم على بعض السامعين ؛ كقوله - رحمه اللّه - : وأني وإن كنت ابن آدم صورة * فلي فيه معنى شاهد بأبوّتي فافهم ذلك ، فإنه أصل كبير يتفرّع عليه فهم كثير من الحقائق . الفصل الخامس في معرفة النبوّة « 2 » والولاية النبوة بمعنى الإنباء ، والنبيّ هو المنبىء عن ذات اللّه تعالى وصفاته الأولى ليس إلا الروح الأعظم الذي بعثه اللّه تعالى إلى النفس الكلّية أولّا ، ثم النفوس الجزئية ثانيّا ، لينبئهم بلسانه العقلي عن الذات الأحدية ، والصفات الأزلية ، والأسماء الإلهيّة ، والأحكام القديمة ، والمرادات الحسّية ، وقوله : وقد جاءني مني رسول ، إشارة إلى هذا المعنى حاكيّا عن الإنسان الكبير ، وكل نبيّ من بني آدم - عليه السلام - إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مظهر من مظاهر نبوّة الروح الأعظم ، فنبوّته ذاتية دائمة ، ونبوّة الظاهر
--> ( 1 ) الروح الأعظم والأقدم والأول والأوحد : هو العقل الأول . ( 2 ) النبوة : هي الإخبار عن الحقائق الإلهيّة ، أي معرفة ذات الحق وأسمائه وصفاته وأحكامه ، وهي على قسمين : نبوة التعريف ونبوّة التشريع ، فالأولى هي الإنباء عن معرفة الذات والصفات والأسماء ، والثانية هي جمع ذلك مع تبليغ الأحكام والتأديب بالأخلاق والتعليم بالحكمة والقيام بالسياسة ، وتخصّ هذه بالرسالة .